مجمع البحوث الاسلامية
590
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أن يبشّر المؤمنين كلّ سامع بل نصّ على أعظمهم وأصدقهم ، ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الإخبار بهذه البشارة العظيمة ؛ إذ تبشيره صلّى اللّه عليه وسلّم تبشير من اللّه تعالى ، والجملة من قوله : ( وبشّر ) معطوفة على ما قبلها ، وليس الّذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتّى يطلب مشاكل من أمر أو نهي . [ إلى أن قال : ] وتلخّص من هذا أنّ عطف الجمل بعضها على بعض ليس من شرطه أن تتّفق معاني الجمل ، فعلى هذا يجوز عطف الجملة الخبريّة على الجملة غير الخبريّة . وهذه المسألة فيها اختلاف ، ذهب جماعة من النّحويّين إلى اشتراط اتّفاق المعاني . والصّحيح أنّ ذلك ليس بشرط ، وهو مذهب سيبويه ، فعلى مذهب سيبويه يتمشّى إعراب الزّمخشريّ وأبي البقاء . وأجاز الزّمخشريّ وأبو البقاء أن يكون قوله : ( وبشّر ) معطوفا على قوله : فَاتَّقُوا النَّارَ ليكون عطف أمر على أمر . قال الزّمخشريّ : كما تقول : يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم ، وبشّر يا فلان بني أسد بإحسان إليهم . وهذا الّذي ذهبا إليه خطأ ، لأنّ قوله : ( فاتّقوا ) جواب للشّرط وموضعه جزم ، والمعطوف على الجواب جواب . ولا يمكن في قوله : ( وبشّر ) أن يكون جوابا - لأنّه أمر بالبشارة - ومطلقا ، لا على تقدير : إن لم تفعلوا ، بل أمر أن يبشّر الّذين آمنوا أمرا ليس مترتّبا على شيء قبله ، وليس قوله : ( وبشّر ) على إعرابه مثل ما مثّل به من قوله : يا بني تميم إلخ ، لأنّ قوله : « احذروا » لا موضع له من الإعراب ، بخلاف قوله : ( فاتّقوا ) فلذلك أمكن فيما مثّل به العطف ، ولم يمكن في ( وبشّر ) . وقرأ زيد بن عليّ ( وبشّر ) فعلا ماضيا مبنيّا للمفعول ، قال الزّمخشريّ : عطفا على ( اعدّت ) انتهى . وهذا الإعراب لا يتأتّى على قول من جعل ( اعدّت ) جملة في موضع الحال ، لأنّ المعطوف على الحال حال ، ولا يتأتّى أن يكون ( وبشّر ) في موضع الحال ، فالأصحّ أن تكون جملة معطوفة على ما قبلها ، وإن لم تتّفق معاني الجمل ، كما ذهب إليه سيبويه ، وهو الصّحيح . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأجاز سيبويه : جاءني زيد ومن أخوك العاقلان ، على أن يكون العاقلان خبر ابتداء مضمر ، وقد تقدّم لنا أنّ الزّمخشريّ يخصّ البشارة بالخبر الّذي يظهر سرور المخبر به . وقال ابن عطيّة : الأغلب استعماله في الخير ، وقد يستعمل في الشّرّ مقيّدا به ، منصوصا على الشّرّ للمبشّر به ، كما قال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آل عمران : 21 ، ومتى أطلق لفظ « البشارة » فإنّما يحمل على الخير ، انتهى كلامه . وتقدّم لنا ما يخالف قوليهما من قول سيبويه وغيره ، وأنّ « البشارة » أوّل خبر يرد على الإنسان من خير كان أو شرّ ، قالوا : وسمّي بذلك لتأثيره في البشرة ، فإن كان خيرا أثّر المسرّة والانبساط ، وإن كان شرّا أثّر القبض والانكماش ، قال تعالى : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ التّوبة : 21 ، وقال تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ * آل عمران : 21 ، التّوبة : 34 ، الانشقاق : 24 . وجعل الزّمخشريّ هذا العكس في الكلام الّذي